ملايين الجنود يحتلون جسدك!


هيا إبراهيم الجوهر

نعيش هذه الأيام تقلبات الجو والأمراض المصاحبة له وخصوصا نزلات البرد فأينما تذهب تجد من يعطس أو يسعل أمامك أو من خلفك, وتحدث النزلات المعوية, وكلها ناتجة عن عدوى جرثومية. تلك المخلوقات التي لا ترى بالعين المجردة احتلت كوكبنا قبلنا وقبل أن تحتل أجسادنا، فقد دلت الأبحاث والدراسات والأحافير على وجودها قبلنا على هذا الكوكب وتشكل نسبة 60 في المائة من الأحياء على الأرض, وأول من استطاع رؤيتها هو الحرفي والعالم (أنتون فان ليو هوك) الهولندي صدفة عندما أراد الكشف على نوعية قماش كان يريد شراءه, وتمكن بواسطة استخدام العدسة المكبرة ــــ التي من صنعه ــــ من مشاهدة تلك الكائنات وحيدة الخلية. 

ورغم كثرة الأمراض التي تسببها الجراثيم إلا أن 3 في المائة فقط منها ضار للإنسان, وأغلبها مفيد لنا يشاركنا حياتنا من ولادتنا وحتى عند وفاتنا, لا يتوقف دورها بل تستمر معنا حتى تحولنا إلى تراب مرة أخرى وتكمل دورة الحياة، وفي كل يوم يتم اكتشاف إحدى غرائب هذه المخلوقات, ولك أن تتخيل أن نسبة الضغط داخل هذا الكائن المتناهي في الصغر مثل ضغط إطار السيارة, وأن أقل من كيلو جرام من بكتيريا (كلوستريديوم) السامة قادرة على القضاء على البشرية كلها، ولولا الميكروبات لما تمكنا من التنفس ولا العيش على الأرض فهي مسؤولة عن إنتاج نصف كمية الأوكسجين الذي نتنفسه, وتسهم في صناعة عناصر الحياة الرئيسية الأخرى مثل الكربون والنيتروجين وتمتص الأشعة الكونية الضاره والمسببة للأمراض مثل السرطان. 

وتستطيع أن تعيش في أقسى وأحلك الظروف على السطح أو تحت الأرض، في قاع البحار أو أعماق المحيطات، في الهواء الطلق أوفي داخل جبال الجليد فهي تتحمل درجات حرارة أكبر من درجة الغليان وحتى التجمد، قد تصل درجات الحرارة التي تتحملها إلى (-85 درجة مئوية) وتملك بعض الميكروبات بوصلة داخلية تعلمها اتجاه سيرها عن طريق انجذابها إلى حقل الأرض المغناطيسي, فلو وضعتها قرب مغناطيس لوجدتها تتجه نحو قطبه الشمالي. 

كما تسبب البكتيريا عديدا من المشاكل البيئية فإن بإمكانها أيضا حل عديد منها، ففي هذه الأيام يعكف علماء روس على تطوير خليط من البكتيريا يقوم بتفكيك وابتلاع الملابس الداخلية لرواد الفضاء ذات الاستخدام الواحد في الرحلات الطويلة التي تستغرق شهورا، وبواسطة الميكروبات التي تحتوي على حبيبات دهون تشبه البوليمرات التي يصنع منها البلاستيك العادي (الذي يحتاج إلى مئات السنين ليتحلل) يمكننا صناعة بلاستيك سريع التحلل وصديقا للبيئة. 

وأنت لست بمعزل فجسمك مسكون ببلايين الجنود السحريين (البكتيريا النافعة) الذين يدافعون عنك ويحمونك من الأمراض. وعندما يختل التوازن بين البكتيريا الممرضة والنافعة نحتاج إلى إعادة هذا التوازن, لذا نعيش اليوم ثورة العلاج بالبكتيريا فليس غريبا أن تجد في الصيدليات أو محال بيع الأغذية التكميلية كبسولات تحتوي على ميكروبات تساعد على علاج بعض الأمراض وخصوصا الهضمية مثل الإسهال، والغازات، وارتفاع الكوليسـتيرول في الدم، ورفض الجسم لسكر اللاكتوز في الحليب يمكن التغلب عليه بتزويد الحليب ببعض البكتيريا. وتشير الدراسات الطبية إلى إمكانية استخدام الكائنات الحية النافعة في رفع كفاءة الجهاز المناعي للجسم من أجل الحد من نزلات البرد والرشح والتخفيف من وطأة الحساسية الجلدية عند الأطفال. ولك أن تعلم أن بعض الأدوية المهمة جدا مثل هورمون الأنسولين، وهورمون النمو وعقار الأنترفيرون وبعض اللقاحات والفيتامينات تلعب الأحياء الدقيقة المفيدة دورا مهما في تصنيعها. في عام 1990م، ونتيجة لمقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية بدأ العلماء في أمريكا, وسبقتهم أوروبا في استخدام (البكتيريا الأكلة) للقضاء على أنواع عديدة من الميكروبات وابتلاعها كخيار للحد من عدم جدوى المضادات الحيوية، ويبقى لك الخيار في نوع العلاج الذي تفضله. 

وتأبى البكتيريا إلا أن تشارك النساء حبهن للألماس وتصنعه لهن, فمع مرور الوقت وبفعل الحرارة والضغط تتحول مستعمرات البكتيريا ونظائر الكربون المشعة إلى ألماس يزين أجسادهن.

*نقلا عن "الإقتصادية" السعودية.



مقالات ذات صلة