ابني لا يتوقف عن الأسئلة

 
الدكتور يزن عبده
 
يشكو بعض الآباء من أن أبناءهم لا يتوقفون عن طرح الأسئلة، مما يصيب الأهل بنوع من الضجر ليبدأ بعده التعامل بحديّة معهم أحياناً، وعند الوقوف على حقيقة الأمر نجد أن الطفل عادة يبدأ مرحلة "لماذا" عندما يناهز سن الثالثة، تلك السن التي تتميز بنمو مهارات التعلم وحل المشكلات، وتصبح لديهم قدرة على تكوين المفاهيم المعرفية المختلفة وتلقي معلومات عن كل ما يحيط بهم، لذلك يعتبر من الضروري تعريضهم لأكبر قدر ممكن من المعلومات والمفاهيم المتنوعة بطريقة مبسطة وصحيحة، كما أن هذه الحالة تمثّل حاجة نفسية تقتضيها طبيعة النمو العقلي والحسي عند الأطفال في هذا السن، حيث يشير عالم النفس بلوم (BLOOM) إلى أن خمسين بالمائة من التطور العقلي للطفل يتم فيما بين الميلاد والعام الرابع من العمر، ، كما يشير الدكتور صالح أبو جادو في كتابه "علم النفس التطوري" إلى أن التطور اللغوي والقدرة على استخدام المهارات اللغوية ومنها تكوين الأسئلة يتزايد بشكل هائل مع بدايات السنة الثالثة، مما سبق يظهر بوضوح أن مرحلة "لماذا" هي إشارة إلى أن الطفل ينمو بشكل طبيعي ومتوازن.   

وعلى المربي أن يتقن التعامل مع هذه المرحلة فيبدأ بالإجابة عن الأسئلة التي يطرحها ابنه بأسلوب وعبارات مناسبة لقدراته الإدراكية،  كما يتوجب عليه أن يتقن الاستماع إليه أثناء طرح السؤال مع حضور كامل الحواس والنظر إليه مباشرة، لأن ذلك يعني زيادة الثقة بينكما، ويرفع من معنويات طفلك، ويزيد ثقته بنفسه من خلال شعوره بقبولك له، وحب من حوله واهتمامهم به وبتلبية احتياجاته النمائية، كما يتوجب على الآباء أن يتذكروا أن الإجابات ليست مجرد معلومات عابرة بل هي منطلقات معرفية يبني عليها مواقفه وسلوكه وقيمه ومشاعره، فيجب الاهتمام بإعطائه الإجابة من جهة وبصحتها من جهة أخرى.

وهناك مشاهدات خطرة يقوم بها الأهل مع الابن الذي يكثر الأسئلة كاعتبار أسئلته غريبة وغير مشروعة، وأنها كثيرة ومملة وتافهة، فيتهرب من الإجابة، أو قد تكون الإجابة غير صحيحة، وأحياناً قد يكون الحل عند البعض قمع الطفل والصراخ في وجهه، وهذا في الحقيقة من الخطورة بمكان فهو يزعزع ثقة الطفل بنفسه وبمن حوله، وربما يكون سبباً في الانطواء على الذات والبحث عن مصادر معلومات أخرى، وقد يكون سبباً في توليد حالات من العناد والعدوانية عند بعض الأطفال، وفي حالات الكذب كثيراً ما يكتشف الطفل ذلك ولو بعد حين، أو أن يبني بنكه المعرفي على معلومات خاطئة الأمر الذي سيؤدي إلى خلل في السلوك وتشويش في القيم والمبادئ.   

ومن المفيد أحياناً أن لا نعطيهم الإجابات جاهزة بل ندفعهم إلى تعلم كيف يجدون الجواب بأنفسهم، خاصة عندما يمتلكون المهارات الكافية التي تمكنهم من ذلك، فهذا يزيد من المهارات الحياتية التي تمكنهم من الصمود في حالات الحاجة والضرورة، إضافة إلى أنه يدفعهم للإبداع واستعمال الخيال، والقدرة على حل المشكلات من خلال التأمل والتفكير والإفادة من حصيلة المعلومات التي لديهم.

وتعتبر مرحلة "لماذا" مرحلة عمرية مهمة لأنها تمهد لمرحلة الإعداد للدراسة، ويجب على الأهل أن يثيروا في الطفل حب السؤال والبحث عن المعرفة، وأن يعلموه آداب توجيه السؤال للكبار، كما يعتبر استخدام كل ما يمكن من وسائل حسية مهماً في إيصال المعلومات للأطفال في هذه السن التي يكون تفكيره فيها أقرب إلى الفهم من خلال  الوسائل الحسية التي يراها في بيئته، وأخيراً علينا أن اعتبار أن هذه الأسئلة مرحلة ممتعة في تربية الأبناء وليست مرحلة مزعجة كما يحلو للبعض أن يسميها.
 
 


مقالات ذات صلة