أبرياء على قارعة الطريق

تصلت بي صحفية من احدى المجلات العربية تسألني عن التفسير النفسي لحادثة تناقلتها الصحف ووكالات الانباء حول طفل وضعته أمه امام احد بيوت مدينة عمان وتركت معه ورقة صغيرة كتب فيها أنه لديها عدة أبناء وتعاني من فقر شديد وأنها غير قادرة على الانفاق على هذا الطفل.
ورغم أن ظاهرة رمي الابناء والتخلي عنهم أمام دور الأيتام والعبادة وفي الشوارع العامة‏ أو أمام احد البيوت ليست جديدة علي المجتمع‏ البشري إلا أنها جديدة كل الجدة على مجتمعنا الأردني الذي كان وما يزال مجتمعا متآلفا ومتحابا، ينعم فيه الأطفال بعلاقات حميمة مع آبائهم وأمهاتهم,‏ فمع تعقد الحياة الاقتصادية وتفكك الروابط الأسرية‏,‏ بالاضافة إلي ضعف الوازع الديني‏,‏ هذا المثلث أدى إلي افتقاد بعض الأسر قيمة الأبوة والرعاية الوالدية مما دفعهم إلي قتل فلذات أكبادهم أو رميهم والتخلي عنهم بطريقة تسئ إليهم في المستقبل.

ولأن التخلي عن الأبناء ورميهم - على الأغلب - يكون في حالات رفض المجتمع لهذا الطفل الذي قد يكون ولد بطريقة غير شرعية، أما ما نلاحظه في هذه الواقعة من اقدام أم ولدت بطريقة شرعية على التخلص من الطفل لأسباب مادية يجعلنا نشكك في صدق ما كتبته هذه الأم في الورقة المرفقة مع الصغير، وهي على الأرجح قد فعلت ذلك لاستجرار الشفقة على هذا الصغير وأملا منها في حصوله على معاملة كريمة فيما بعد، خاصة وأن الشائع في مثل هذه الحالات هو بيع الطفل لأسرة غنية مقابل مبلغ مادي يساعد في تربية ونتشئة باقي أطفال الاسرة.

إن التخلي عن الطفل بأي صورة من الصور سواء أكان ناتجا عن الفقر أو عن الحمل سفاحا أو لأي سبب من الاسباب يمثل خللا نفسيا واجتماعيا شديدا لدى أمه وأسرته المنجبة والظروف الاجتماعية التي تسمح بوجود مثل هذا التفريط بالأطفال وحقوقهم، ومن الناحية النفسية فإن شخصية الأم أو الاب التي تتنازل عن أحد أطفالها شخصية مضطربة وغير متزنة، ومحبطة لدرجة كبيرة جدا، ومن المؤكد أن الاسرة التي تضم مثل هذين الأبوين هي أسرة مفككة وغير قادرة على رعاية الأطفال، وهي اسرة تعاني ماديا من الفقر والحرمان، فبدلا من مواجهة مشكلاتهم يصلون إلى مرحلة من الاستسلام واليأس والهزيمة فيقدمون على التخلص من اطفالهم إما بالبيع أو الرمي في أحد الأماكن وفي حالات الشخصية العدوانية يقدمون على القتل.

ثم يندمون على ذلك ولايعرفون كيف يعالجون هذا الندم‏,‏ ولو ترووا قليلا لعرفوا أن هؤلاء الأولاد الذين باعوهم أو تنازلوا عنهم أو اقرضوهم أو قتلوهم ربما سيكونون عونا لهم في المستقبل لو أبقوا عليهم تحت رعايتهم‏، والأثر النفسي في النهاية سيكون الدخول في موجات من الصمت والتأمل وىالحزن والاستغراق في التفكير والشعور بتانيب الضمير والقلق وعدم الراحة، وربما الوصول إلى الاكتئاب النفسي.

أما بالنسبة للطفل نفسه الذي تم بيعه أو التنازل عنه لو قدر له أن يعيش حتي يصبح رجلا ويعرف ماذا حدث له فسوف يفقد الثقة في الناس وكل من حوله لأن والديه باعاه‏,‏ فماذا سوف يفعل الغرباء به‏,‏ كما يفقد الثقة في نفسه وأنه لايستحق حب الناس بدليل تخلي أسرته عنه فيصبح شخصية اجرامية أو مرضية تسيئ للمجتمع‏.‏

وفي النهاية أقول لهذه السيدة ان عليها ان تتقي الله وتسارع في الاعلان عن نفسها، واسترداد طفلها لأن الطفل الذي يباع لأسرة أخرى يفتقد في اطارها غريزة الحب والامومة والابوة التي لايمكن ان يقدمها إلا الأم والأب الاصليان حتي ولو كانا فقيرين معدمين، ومن يدري أيتها الأم فربما يكون هذا الطفل هو طريقك إلى الغنى والسعادة أو طريقك إلى عالم الخلود في الجنة.



د.عاطف القاسم، بروفيسور مساعد في علم النفس ودراسات المرأة

للتواصل مع الدكتور عاطف القاسم عبر البريد الإلكتروني atef_35@yahoo.com


مقالات ذات صلة